السيد محمد حسين فضل الله
50
من وحي القرآن
اعتبار السماء بمعناها المادي الذي يجعلهم يتطلعون إليها ، هي المنطقة التي تمثل درجة العلو التي تنتسب إلى اللّه في مقابل الأرض التي هي دونها في درجة القرب المكاني ، ولو أراد الرفع المعنوي لكان الأقرب التعبير بالرفع بشكل مطلق ، كما في قوله تعالى : يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ [ المجادلة : 11 ] ، أو في قوله تعالى : وَرَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا أمّا قوله تعالى : وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا فقد يعني إبعاده عن مواقع القذارة النفسية والروحية والأخلاقية التي يمثلها المجتمع الكافر في عاداته وتقاليده وقيمه المادية التي تلوث روح الإنسان وعقله وعمله ، وذلك من خلال اللطف الإلهيّ الذي أغدقه اللّه عليه ، فجعله إنسانا طاهرا في ذاته ، يعطي للآخرين طهارة الفكر والروح والقلب والشعور والحياة . وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا واختفى عيسى عليه السّلام عن الأنظار ولم تختف دعوته ، وغاب عن الساحة ولم يغب أتباعه ، بل اندفعوا بكل صبر وإيمان ، يركّزون الأساس ، ويرفعون البناء ويصنعون للمستقبل فكره وروحيّته ونظامه . . . وكانت رعاية اللّه لهم في كل خطواتهم العمليّة ، فبدأ الإيمان يتقدم ليتخذ مواقعه الثابتة في حياة الناس ، وبدأ الكفر ينحسر تدريجيا . وكان وعد اللّه لعيسى حقا : وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا فها هم اليهود يقفون في الدرجة السفلى أمام أتباعه ، ولكن كيف ذلك ؟ ومن هم أتباعه ؟ هذا ما خاض فيه المفسرون كثيرا ، وهذا ما يجب أن نتوقف أمامه قليلا لنفهم معنى هذه الفقرة من الآية . فقد ذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بالذين اتبعوه ، هم أهل الحق من النصارى الذين ساروا على دعوته الحقيقية ، ومن المسلمين الذين اتبعوه باتباعهم للنبي محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلم الذي بشّر به وبرسالته ، وأن